• النسخة التجريبية شاركونا ملاحظاتكم وأفكاركم على بريدنا الإلكتروني
  • النسخة التجريبية شاركونا ملاحظاتكم وأفكاركم على بريدنا الإلكتروني

والرَّبُّ يَعمَلُ مَعَهم ويُؤَيِّدُ كَلِمَتَه مميز

الثلاثاء, 15 تشرين2/نوفمبر 2016 09:23 المجمع العام 36
(1 تصويت)

عظة الأب الرئيس العامّ في قدّاس ختام المجمع العامّ السادس والثلاثين

في ختام خبرة التمييز العميقة هذه، يعترينا شعورٌ بالدوّار أمام ما سنواجهه في قادم الأيّام. إذ نشعر بصعوبةٍ في إضفاء الحياة على القرارات الّتي اعتمدناها، وكذلك صعوبة أن يغيّرنا "نهجنا في العمل" وفق تيّار الرّوح القدس. يضع القدّيس إغناطيوس في كتابه الرياضات الروحيّة "التأمّل لبلوغ الحبّ" أداةً تُساعدنا على العودة مجدّدًا إلى الحياة اليوميّة. ولهذا التأمّل صدىً في الرسالة الأولى للقدّيس يوحنّا، الّتي تُليت على مسامعنا. يرغب الله في أن يُعرف بأنّه الحبّ. لذلك، قدّم ذاته إلى البشريّة في صورة ابنه الّذي أرسله إلينا، تدلّ هذه الحركة على الحبّ وتهب الحياة، الحياة الحقيقيّة الوحيدة الّتي نتوق إليها.

يضع الآب أمرين موضع التنفيذ سبق وأن نبّه إليهما القدّيس إغناطيوس في بداية هذا التأمّل: "الحبّ يتجلّى في الأعمال أكثر منه في الأقوال" و"يقوم الحبّ على الهبة المتبادلة، أي أنّ المُحبّ يهب المحبوب ما له أو جزءًا ممّا له من إمكاناته". لقد وهب الربّ ذاته كلّيّةً حتّى الموت على الصليب، وهو باقٍ معنا كلّ يوم حتّى نهاية الأزمنة، لأنّه أرسل إلينا روحه القدّوس. يدعونا القدّيس إغناطيوس أن نسأل نِعمة معرفة العطايا الكثيرة الّتي نِلناها كمصدر تشجيع لنا، كي نقدّم ذواتنا كلّيّةً نحن أيضًا فنحبّ و نخدم في كلّ شيء من أجل عزّته الإلهيّة.

هذه هي العبارة "نُحبّ ونخدم في كلّ شيء..." الّتي رافقتنا هنا في صالة المجمع [كُتبت إلى جانب عبارتين على أحّد جدران صالة الاجتماع كي تكون منارةً لأعمال المجمع بحسب القصد الّتي صُمّمت من أجله القاعة]. وقد كان المصلوب حاضرًا في قلب قراراتنا كي يذهب بها أبعد من تفكيرنا البشريّ، ما نحبّه وما نكره، فنصل إلى التعزية النابعة من توافق رغباتنا مع مشيئة الله الآب.

ذهب يسوع المسيح عشيّة آلامه إلى جبل الزيتون وصارع في صلاته حتّى أنّه تعرّق دمًّا كي يقبل تبعات اتمامه رسالته، بعيدًا عمّا رغب فيه أو ما قد يوافق عليه. لقد راعتنا شهادات الرِفاق الّذين يعيشون في مناطق الحروب العنيفة، وفي هذا الصدد، دفعنا الحبّ لأن نقول معًا:""خذْ، ياربّ، واقبل حريتنا كلّها، وذاكرتنا وعقلنا وإرادتنا كلّها، كلّ ما هو لنا وكلّ ما هو عندنا. أنت وهبتنا ذلك، فإليك نُعيده، ياربّ. كلّ شيء لكَ، فتصرّف فيه بكامل مشيئتك. هبنا أن نُحبّك، هبنا هذه النعمة، فهذا يكفينا".

لقد اختبرنا في هذا المجمع حضور الله المتجلّي بطرائق متعدّدة في حياتنا اليوميّة وفي جسم الرهبانيّة اليسوعيّة. وقد فاجأنا في مرّات أُخرى بفيض نِعمه، وعمقها، وتنوّعها. كلّ ما اختبرناه كان نِعمةٌ وهبت لنا، نِعمةٌ مجانيّة ومُدهشة.

تضعنا عمليّة التمييز في المجمع العامّ أمام تحدٍّ في أن نكون خدمًا للمصالحة في وسط عالمٍ لم يهدأ أثناء مداولاتنا. إذ ازدادت جراح الحروب عمقًا، ومعها ازداد تدفّق اللاجئين، واعتصر قلبنا لمعاناة المُهاجرين، فابتلع البحر المتوسّط العشرات في غضون الشهرين المنصرمين لإجتماعاتنا. إنّ اللاعدالة الراسخة بين الشعوب والأمم علامة عالمٍ يحتقر معاني الإنسانيّة.

أمّا السياسة، وهي فنّ التحاور لتحقيق الصالح العامّ فوق المصالح الشخصيّة، تسقط واهنةً أمام أعيننا. ففي الحقيقة، تختبئ المصالح الشخصيّة وراء أقنعة الشعور القوميّ، فهي تنتخب رؤساء وتقرّر بحيث تقف دون عمليّة اندماج الشعوب مع أُممها. تُعاني الساحة السياسيّة في استحضارها طريقة إنسانيّة لأخذ القرارات الّتي تُخضع فيها المتسلّطين. وتنحسر رغبة الأمّهات والأطفال في العيش بسلام، بواسطة العلاقات الاجتماعيّة المرتكزة على مفهوم العدالة، أمام لجّة الصراعات والحروب الّتي تحارب الحبّ الّذي يجعل الحياة أمرًا ممكنًا.

إنّ التمييز يقودنا كي ننظر إلى العالم من خلال عيون الفقراء، وإلى العمل معهم كي تنمو الحياة الحقّ. ويدعونا أيضًا إلى الذهاب إلى الحدود حتّى نفهم كيف نُعالج عالميًّا مجمل الأزمة الّتي تحول دون تمتّع غالبية البشر بأدنى ظروف المعيشة، والّتي تُهدّد الحياة على كوكب الأرض، وبذلك نخلق مساحةً لنبشّر بالخبر السارّ. لذلك فإنّ رسالتنا بالضرورة فكريّة.

تسمح لنا عيون الرحمة، الّتي وهبها إيّانا المسيح المصلوب عندما وضعنا ذواتنا معه، أن نُعمّق فهمنا شتّى أنواع الظلم الّذي يتعرّض إليه رجال عالمنا ونسائه. إنّ العلامات الّتي تصحب بشارتنا بالإنجيل هي تلك الّتي تتوافق مع طرد شياطين الفهم الخاطئ للحقيقة. لهذا السبب، نتعلّم لغاتٍ جديدةً كي نفهم حياة الناس المُختلفين عنّا، ونشارك الجميع بشارة الخلاص.

إن فتحنا قلوبنا إلى الرّوح القدس، وعقولنا إلى الحقيقة الإلهيّة، لن نتجرّع سمّ الإيديولجيّات الّتي تُبرّر الظلم، والعنف بين البشر، والاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعيّة. نستطيع في إيماننا بالمسيح، الّذي مات وقام، أن نُساهم مع الكثير من رجال الإرادة الطيّبة ونسائها في أن نمدّ يد العون نحو عالمٍ مريض ونُساعد في شفاءه.

لنذهب كي نُعلن البشارة في كلّ مكان، ويعزّينا اختبار الحبّ الإلهيّ الّذي جمعنا كلّنا في رفقة يسوع. وعلى مثال الرفاق الأوّلين، يشجّعنا الربّ اليوم في روما، ويُرسلنا إلى أنحاء العالم كافّة نحو كلّ ثقافةٍ إنسانيّة. نمضي وكلّنا ثقة لأنّه يعمل معنا ويؤيّد بعلاماتٍ واضحة حياتنا ورسالتنا.

 

الأب أرتورو سوزا الرئيس العامّ على الرهبانيّة اليسوعيّة،

قدّاس شكر في نهاية أعمال المجمع العامّ السادس والثلاثين،

١٢ تشرين الثاني / نوفمبر، كنيسة القدّيس إغناطيوس في روما.

قراءة 296 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 15 تشرين2/نوفمبر 2016 09:23
المزيد في هذه الفئة : « صوتٌ صارخٌ وعذبٌ