• النسخة التجريبية شاركونا ملاحظاتكم وأفكاركم على بريدنا الإلكتروني
  • النسخة التجريبية شاركونا ملاحظاتكم وأفكاركم على بريدنا الإلكتروني

الرحمة الإلهيّة في في العهد الجديد

الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 12:37 الرحمة في الكتاب المقدس
(0 أصوات)
۱- الرحمة من خلال الأعمال

يبدأ يسوع رسالته بإعلان سنة الرحمة، أولاً للفقراء والسجناء والعميان والمضطهدين (لوقا 4/18-19). ونقرأ :
« اِذهَبا فأَخبِرا يوحَنَّا بِما سَمِعتُما ورَأَيتُما: العُمْيانُ يُبصِرونَ، العُرْجُ يَمشُونَ مَشيْاً سَوِيّاً، البُرصُ يَبَرأُونَ والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومونَ، الفُقَراءُ يُبَشَّرون » ( لو 7/22).
الرحمة عند المسيح تظهر في «انحنائه» أمام كلّ أنواع البؤس البشريّ، جسديّاً كان أم معنويّاً؛ وهي تحارب الشرّير وتنتصر عليه: «... في شأنِ يسوعَ النَّاصِرِيّ كَيفَ أَنَّ اللهَ مَسَحَه بِالرُّوحِ القُدُسِ والقُدرَة، فمَضى مِن مَكانٍ إِلى آخَر يَعمَلُ الخيرَ ويُبرِئُ جَميعَ الَّذينَ استَولى علَيهم إِبليس» ( أعمال 10/38).
كان يسوع « طبيباً » للأجساد لا بل خاصّةً للنفوس (مر 2/17؛ لو 5/31)... ورحمته أخذت منحاً واضحاً :
- صداقة مع الخطأة (لو 7/43)
- مشاركة الطعام معهم (لو 15/1-2؛ 19/1-10)
- عدم التفرقة والتمييز مهما كانت الحاجة أو الإعاقة (مر 1/41؛ 5/19؛ 6/34؛ 8/2؛
متى 9/26؛ 14/14؛ 15/32؛ 20/34؛ لو 7/13).

وستبلغ الرحمة ذروتها على الصليب :
- هي تعبير عن مشاركة المسيح آلام البشريّة بإرادته الحرّة.
- هي قبول حكم الموت من أجل افتداء العالم.
فأصبح الموت « شهادة حبّ» المسيح :
« مُشابِهًا لإِخوَتِه في كُلِّ شَيء، لِيَكونَ عَظيمَ كَهَنَةٍ رَحيمًا مُؤتَمَنًا عِندَ الله، فيُكَفِّرَ خَطايا الشَّعب ولأَنَّه قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلين » (عبرانيّين 2/17-18).

٢- الرحمة من خلال كلام يسوع

هناك ثلاثة « أمثال » رحمة مميّزة في الإنجيل : «الخروف الضائع - الدرهم المفقود – الإبن الضال»، وهي كلّها تعبّر عن رحمة الآب الكبيرة الذي يعمل من خلال ابنه (لو 15/1-32).
هي رحمة مقترنة « بالفرح » : فرح الخاطئ/ التائب الذي يعود إلى بيت الآب والتي تكشف
عن محبّة الله ورأفته اللامحدودة.
هذه الرحمة هي عطاء مجّاني دون أيّ شروط ! يقول القدّيس بولس في رسالته إلى طيطس:
« لَمَّا ظَهَرَ لُطْفُ اللهِ مُخَلِّصِنا ومَحَبَّتُه لِلبَشَر، لم يَنظُرْ إِلى أَعمالِ بِرٍّ عمِلْناها نَحنُ، بل على قَدْرِ رَحَمَتِه خَلَّصَنا بِغُسْلِ الميلادِ الثَّاني والتَّجديدِ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ الَّذي أَفاضَه علَينا بالمسيح يسوع» (طيطس 3/4). (راجع أيضاً: رو 9/15؛ 11/32؛ غلاطية 3/22).

الرحمة « تعزّي » كلّ من يتألّم :
« هو الَّذي يُعَزِّينا في جَميعِ شَدائِدِنا لِنَستَطيعَ، بما نَتَلقَّى نَحنُ مِن عَزاءٍ مِنَ الله، أَن نُعَزِّيَ الَّذينَ هُم في أَيَّةِ شِدَّةٍ كانَت. فكَما تَفيضُ علَينا آلامُ المسيح، فكَذلِك بِالمسيحِ يَفيضُ عَزاؤنا أَيضًا» (2 قو 1/3-4).

الرحمة تنقل الإنسان من حالة الموت إلى الحياة :
« وكُنَّا نَحنُ أَيضًا جَميعًا في جُملَةِ هؤُلاءِ نَحْيا بالأَمْسِ في شَهَواتِ جَسَدِنا مُلَبِّينَ رَغَباتِ الجَسَدِ وَنزَعاتِه وكُنَّا بِطَبيعَتِنا أَبناءَ الغَضَبِ كَسائِرِ النَّاس، ولكِنَّ اللهَ الواسِعَ الرَّحمَة، لِحُبِّه الشَّديدِ الَّذي أَحَبَنَّا بِه، مع أَنَّنا كُنَّا أَمواتًا بِزَلاَّتِنا، أَحْيانا مع المَسيح وأَقامَنا معه وأَجلَسَنا معه في السَّمَواتِ في المسيحِ يسوع» (أفسس 2/3-5).

۳- « كونوا رحماء »

يكرّس الإنجيل، بشكل جذري، عمل الرحمة تجّاه كلّ إنسان :
« الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ و الفِرِّيسيُّونَ المُراؤون فإِنَّكم تُؤَدُّونَ عُشْرَ النَّعْنَع والشُّمْرَةِ والكَمُّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في الشَّريعة: العَدلَ والرَّحمَةَ والأَمانة. فهذا ما كانَ يَجِبُ أَن تَعمَلوا بِه مِن دونِ أَن تُهمِلوا ذاك»
( متى 23/23).
كما يشدّد الإنجيل على أولويّة المحبّة والغفران على تقدمة القرابين والذبائح كلّها :
« لَيسَ الأصِحَّاءُ بِمُحتاجينَ إِلى طَبيب، بَلِ المَرْضى. فهَلاَّ تَتعلَّمونَ مَعْنى هذه الآية : إِنَّما ’أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحَة، فإِنِّي ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبْرارَ، بَلِ الخاطِئين» (متى 9/13) ؛ وأيضاً 12/17).

هذه الدعوة إلى الرحمة تفتتح بشكل علنيّ برنامج يسوع الخلاصي، إذ يوضّح في خطابه
الأوّل ما هو الشرط الأساسي لنيل الملكوت :
« طوبى للرحماء، فإنّهم يُرحمون» (متى 5/7).
وهذه الدعوة إلى عمل الرحمة ليست سوى الباب للقداسة الحقّ، إذ يعلن يسوع :
« كونوا كامِلين، كما أَنَّ أَباكُمُ السَّماويَّ كامِل » (متى 5/48). وهو يصرّح في إنجيل لوقا :
« كونوا رُحَماءَ كما أَنَّ أَباكُم رَحيم » ( لو 6/35)، جاعلاً من عمل الرحمة مبدأ وأساس الكمال..

ينال المؤمنون القداسة من خلال قيامهم بأعمال الرحمة، الجسديّة والروحيّة، تجاه كلّ قريب وبعيد : والمثل الأسمى لهذا العمل يتجلّى في قصّة السامري الصالح :
« فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟ » فقال: « الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة ». فقالَ لَه يَسوع: اِذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك » ( لو 10/30-37).

*** تتجلّى أعمال الرحمة، في العهد الجديد، من خلال :
- المحبّة الأخويّة
- وغفران الزلاّت
- وحسن الاستقبال
- وكلّ انواع الإغاثة
وهي في غالبيتها وردت في أجمل النصوص التالية :

روما 12/8؛ أفسس 4/32؛ فيلمون 2/1؛ قولسي 3/12؛ 1 بطرس 3/8؛ يهوذا 23،...
كما يؤكّد القدّيس يوحنا في رسالته الأولى :
« مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأَى بِأَخيهِ حاجَةً فأَغلَقَ أَحشاءَه دونَ أَخيه فكَيفَ تُقيمُ فيه مَحبَّةُ الله؟
يا بَنِيَّ، لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ » (1 يوحنا 3/17-18).

أمّا القدّيس يعقوب ينبّه أنّ الدينونة الأخيرة تشترط أعمال الرحمة والمحبّة، وبالأخصّ تجاه المحتاجين والفقراء :
« تَكلَّموا واعمَلوا مِثْلَ مَن سَيُدانُ بِشَريعَةِ الحُرِّيَّة، لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فالرَّحمَةُ تَستَخِفّ بِالدَّينونَة... فإِن كانَ فيكُم أَخٌ عُريانٌ أَو أُختٌ عُريانَةٌ يَنقُصُهما قُوتُ يَومِهِما، وقالَ لَهما أَحدُكم:
« اِذْهَبا بِسَلام فاستَدفِئا واشبَعا » ولم تُعطوهما ما يَحتاجُ إِلَيه الجَسَد، ماذا يَنفَعُ قَولُكُم؟ وكَذلِكَ الإِيمان، فإِن لم يَقتَرِنْ بِالأَعمال كانَ مَيْتًا في حَدِّ ذاتِه » ( يعقوب 2/12-17).
من كان له الرحمة، أخيراً، سيمنحه الله « نعمة وسلام » :
« مِن بولُسَ رَسولِ المسيحِ يسوع بِأَمرِ اللهِ مُخَلِّصِنا والمسيحِ يسوعَ رَجائِنا، إِلى طيموتاوُسَ ابنِيَ المُخلِصِ في الإيمان. علَيكَ النِّعمَةُ والرَّحْمَةُ والسَّلامُ مِن لَدُنِ اللهِ الآب والمسيحِ يسوعَ ربِّنا » (1طيموتاوس 1/2) ( وأيضاً : 2 طيموتاوس 1/2 ؛ طيطس 1/4 ؛ 2 يوحنا 1/3 ؛ يهوذا 2).

صلاة

أيّها الآب الازليّ، يا من رحمته غير محدودة وكنوز شفقته لا تنضب،
أنظر إلينا نظرة عطف، وضاعِفْ فينا أعمال رحمتك
حتى لا نيأس ولا نضعف أبدا ً أمام التجارب الصعبة،
بل اجعلنا نخضع بثقة متزايدة لإرادتك المقدّسة.
آمــيـن.

قراءة 45 مرات